فخر الدين الرازي
258
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الحجة الثالثة : أن الإنسان إنما يستفيد العلم بالتعلم من الأستاذ ، وذلك لا يمكن إلا بقوة السمع ، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع ، ولا يتوقف على قوة البصر ، فكان السمع أفضل من البصر . الحجة الرابعة : أنه تعالى قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] والمراد من القلب هاهنا العقل ، فجعل السمع قرينا للعقل ويتأكد هذا بقوله تعالى : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 10 ] فجعلوا السمع سببا للخلاص من عذاب السعير . الحجة الخامسة : أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق والكلام وإنما ينتفع بذلك القوة السامعة ، فمتعلق السمع النطق الذي به حصل شرف الإنسان ، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال ، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات ، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر . الحجة السادسة : أن الأنبياء عليهم السلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم ، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية ، وإنما حصلت بسبب ما معهم من الأصوات المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع وبيان الأحكام ، فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئي ، فلزم أن يكون السمع أفضل من البصر ، فهذا جملة ما تمسك به القائلون بأن السمع أفضل من البصر ، ومن الناس من قال : البصر أفضل من السمع ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أنهم قالوا في المثل المشهور ليس وراء العيان بيان ، وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الأبصار . الحجة الثانية : أن آلة القوة الباصرة هو النور وآلة القوة السامعة هي الهواء والنور أشرف من الهواء فالقوة الباصرة أشرف من القوة السامعة . الحجة الثالثة : أن عجائب حكمة اللَّه تعالى في تخليق العين التي هي محل الأبصار أكثر من عجائب خلقته في الأذن التي هي محل السماع ، فإنه تعالى جعل تمام روح وأحد من الأرواح السبعة الدماغية من العصب آلة للأبصار ، وركب العين من سبع طبقات وثلاث رطوبات وخلق لتحريكات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة والأذن ليس كذلك وكثرة العناية في تخليق الشيء تدل على كونه أفضل من غيره . الحجة الرابعة : أن البصر يرى ما حصل فوق سبع سماوات والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ ، فكان البصر أقوى وأفضل وبهذا البيان يدفع قولهم إن السمع يدرك من كل الجوانب والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد . الحجة الخامسة : أن كثيرا من الأنبياء سمع كلام اللَّه في الدنيا ، واختلفوا في أنه هل رآه أحد في الدنيا أم لا ؟ وأيضا فإن موسى عليه السلام سمع كلامه من غير سبق سؤال والتماس ولما سأل الرؤية قال : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] وذلك يدل على أن حال الرؤية أعلى من حال السماع . الحجة السادسة : قال ابن الأنباري : كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر يحصل جمال الوجه ، وبذهابه عيبه ، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا ، العرب تسمي العينين الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا ؟ ومنه الحديث يقول اللَّه تعالى : ( من أذهبت كريمته فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة ) .